سبعة أشهر في كيرالا خلال جائحة كوفيد غيّرت علاقتي بالأيورفيدا، وقادتني إلى نقلها إلى العالم العربي
✦ بداية لم أكن أتوقعها
لم تكن الهند يومًا ضمن الأحلام التي رسمتُها لنفسي بوضوح، ولا حتى من الأماكن التي تخيّلت أنني سأصل إليها ذات يوم. جاءتني في البداية كفرصة مهنية عادية، رافقتُ فيها مجموعة من المشاركين كمترجمة، أتولى الترجمة الفورية خلال دورات في الأيورفيدا واليوغا، وكنت أعتقد آنذاك أن الأمر لن يتجاوز تجربة مهنية مؤقتة، تنتهي بانتهاء الرحلة وأعود بعدها إلى حياتي المعتادة.
لكن شيئًا ما هناك لم يكن عابرًا.
ربما لأنني، منذ سنوات طويلة، كنت أحمل في داخلي انجذابًا هادئًا لكل ما يتصل بالطبيعة، بالأعشاب، بالزيوت، وبفهم الجسد الإنساني وتوازنه، إلى جانب اهتمامي المستمر بعالم التدريب والكوتشينغ، بدا الأمر وكأن تلك الرحلة لم تكن بداية جديدة بقدر ما كانت امتدادًا لشيء كان يتشكّل في داخلي منذ زمن، دون أن أملك له اسمًا واضحًا.
في كيرالا، جنوب الهند، حيث تبدو الطبيعة وكأنها تتنفس في كل زاوية، وحيث لا تزال الأيورفيدا جزءًا حيًا من الحياة اليومية، لم يعد ما أراه مجرد معرفة تُنقل من لغة إلى أخرى، بل عالمًا كاملًا يُعاش بكل تفاصيله. هناك، بدأت أقترب من الأيورفيدا لا كعلم نظري فحسب، بل كأسلوب حياة يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين عاداته اليومية وحالته النفسية، وبين ما يستهلكه وما يشعر به.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ شيء ما يتغير داخلي بهدوء.
لم أعد أؤدي دور الترجمة فقط، بل أصبحت أرافق المشاركين في تجربتهم، أشرح، وأقرّب، وأحاول أن أجعل هذا العلم مفهومًا وقريبًا من المتلقي العربي دون أن يفقد روحه أو عمقه. وشيئًا فشيئًا، وجدت نفسي أقف في مساحة خاصة بين عالمين: منبع الأيورفيدا في كيرالا، والعالم العربي الذي كان يبحث عنها دون أن يجد دائمًا الطريق إليها.
✦ حين توقّف العالم
حين وصلت إلى كيرالا في يناير 2020، كانت خطتي بسيطة وواضحة، كما في كل زيارة سابقة: ثلاثة أشهر من الدراسة والممارسة، ثم العودة إلى تونس.
لكن العالم، في تلك الفترة، كان يتغير بسرعة لم يكن أحد مستعدًا لها.
بدأت الأخبار تتوالى تباعًا: فيروس جديد ينتشر في دول مختلفة، مطارات تُغلق، رحلات تُلغى، وحدود تُقفل واحدة تلو الأخرى. وما بدا في البداية خبرًا بعيدًا يتحرك في نشرات الأخبار، تحوّل خلال أيام قليلة إلى واقع عالمي فرض نفسه على الجميع. كانت تلك بداية جائحة كوفيد-19، اللحظة التي شعر فيها العالم كله، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بأن الحركة نفسها يمكن أن تتوقف.
في البداية، حاولت أن أتعامل مع الأمر بهدوء، على أمل أن يكون مؤقتًا، لكن سرعان ما أصبح واضحًا أن العودة لن تكون سهلة. أعلنت تونس عن رحلات إجلاء من نيودلهي، غير أن الوصول إلى العاصمة من كيرالا، في ظل توقف الرحلات الداخلية وتشديد القيود، كان شبه مستحيل.
وهنا بدأت الحقيقة تتشكل ببطء ثقيل:
لن أعود قريبًا.
كان هناك نوع خاص من القلق، ذلك القلق الذي لا يأتي من حدث واضح، بل من الإحساس بفقدان السيطرة على المستقبل القريب. أن تكون بعيدًا عن وطنك بآلاف الكيلومترات بينما العالم كله يدخل حالة غير مسبوقة من الإغلاق، تجربة يصعب وصفها بدقة، لأنها خليط من الارتباك، وعدم اليقين، ومحاولة الحفاظ على هدوء داخلي وسط كل ما يحدث.
لكن مع مرور الأيام، بدأ هذا الشعور يتبدل تدريجيًا، ليس لأن الظروف أصبحت أسهل، بل لأنني بدأت أرى التجربة من زاوية مختلفة.
✦ حياة بسيطة… ومعنى أعمق
كنّا سبع فتيات أجنبيات نقيم داخل مستشفى ومركز تعليمي للأيورفيدا، ومع بدء الإغلاق، أصبح المكان عالمنا الكامل.
في الخارج، كان العالم يعيش حالة توتر غير مسبوقة، أما داخل ذلك المكان، فقد بدأت تتشكل حياة مختلفة تمامًا، أكثر هدوءًا وبساطة. لم نعد نخرج، وكانت المواد الغذائية تصلنا على فترات، بينما أصبحت الأيام تسير بإيقاع ثابت، يكاد يبدو متشابهًا في ظاهره، لكنه كان يحمل في داخله تحولات عميقة.
كنا نطبخ معًا، ندرس، نمارس اليوغا، نتبادل الحديث أحيانًا، ثم نترك للصمت مساحته الطويلة.
وكان الطعام نباتيًا بالكامل، لكنه أصبح أيضًا محدودًا بما هو متوفر. أحيانًا كنا نقضي أيامًا كاملة على نوع واحد من الخضار، فنحاول أن نبتكر منه أطباقًا مختلفة، وشيئًا فشيئًا، بدأ هذا النقص الظاهري يتحول إلى درس عميق في البساطة والتكيّف.
هناك، أدركت للمرة الأولى أننا لا ندرس الأيورفيدا فقط، بل نعيشها فعليًا. كنا نختبر، دون تخطيط مسبق، أحد أهم مبادئها: الانسجام مع ما هو موجود، بدل مقاومة الواقع أو انتظار الظروف المثالية.
✦ الأيورفيدا واليوغا… دراسةً وممارسةً
في تلك الأشهر، لم تعد الأيورفيدا مادة نعود إليها في أوقات الدراسة فقط، ولم تعد اليوغا ممارسة منفصلة عن تفاصيل الحياة اليومية.
أصبحتا جزءًا من الإيقاع الكامل للحياة.
كنا نبدأ صباحاتنا بممارسة اليوغا، ثم نغوص في دراسة النصوص والمفاهيم الأيورفيدية، نقرأ، نناقش، ونتبادل الفهم، قبل أن نحاول ترجمة كل ما نتعلمه إلى سلوك يومي نعيشه فعلًا، لا مجرد معلومات نحفظها.
أما أنا، فكنت أعيش التجربة على مستويين متوازيين؛ أتعلم بعمق، وفي الوقت نفسه أتأمل في كيفية نقل هذا العلم إلى الآخرين، وكيف يمكن تبسيطه دون أن يُختزل، أو يُفقد معناه الحقيقي.
ومع مرور الوقت، بدأت أشعر أن الأيورفيدا لم تعد بالنسبة لي مجرد معرفة أكتسبها، بل رؤية مختلفة للحياة نفسها.
✦ رمضان… بهدوء مختلف
حلّ شهر رمضان وأنا لا أزال في كيرالا، بعيدًا عن العائلة وعن كل التفاصيل التي اعتدت أن تمنح هذا الشهر طابعه الخاص.
لم تكن هناك موائد ممتدة، ولا تجمعات عائلية، ولا ذلك الإيقاع الاجتماعي الذي يملأ الأمسيات في الوطن. لكن، في المقابل، كان هناك هدوء مختلف تمامًا، هدوء جعلني أعيش هذا الشهر بطريقة أكثر تأملًا وقربًا من معناه الداخلي.
كان اليوم يمضي ببساطة شديدة؛ سحور خفيف، ساعات طويلة من الصيام، ثم إفطار هادئ في المساء، بينما يلف المكان صمت عميق لا يقطعه سوى صوت المطر أو الرياح الموسمية.
وربما للمرة الأولى، شعرت أن رمضان يمكن أن يُعاش بعيدًا عن مظاهره المعتادة، وأن يحتفظ، رغم كل شيء، بجوهره الحقيقي.
✦ حين تصبح الحكاية مادة صحفية
ولم تبقِ التجربة حبيسة الجدران، فقد لفتت أوضاعنا، كطالبات أجنبيات عالقات في كيرالا خلال الإغلاق العالمي، انتباه وسائل الإعلام المحلية، المكتوبة والمرئية، التي زارتنا أكثر من مرة ووثّقت جانبًا من تلك المرحلة.
وكان الغريب في الأمر أن نرى تفاصيل يومية بسيطة، كاجتماعنا حول وجبة متواضعة، أو حديث عابر في فناء المستشفى، أو حتى لحظات الانتظار الطويلة، تتحول فجأة إلى قصة تُروى في الصحف والتقارير التلفزيونية.
كنا، في الداخل، نعيش التجربة كواقع يومي نحاول التأقلم معه بهدوء، بينما كانت تُقدَّم في الخارج كحكاية استثنائية عن العزلة والصبر والانتظار. وربما في تلك المفارقة تحديدًا، أدركت كيف يمكن للتجربة نفسها أن تحمل معنيين مختلفين تمامًا: ما نعيشه ببساطة، وما يراه الآخرون كقصة غير مألوفة. وكان من بين أكثر اللحظات التي كشفت هشاشة تلك المرحلة، تلك الليلة التي اجتاحت فيها الرياح الموسمية المكان بعنف، فانقطعت الكهرباء واختفى الإنترنت لساعات طويلة، تاركة خلفها شعورًا ثقيلًا بالعزلة، وبالمسافة الهائلة التي تفصل الإنسان، في لحظة واحدة فقط، عمّن يحب. وعندما عاد الاتصال أخيرًا، بدا الأمر وكأن شيئًا أساسيًا عاد إلى مكانه الطبيعي.
✦ الشهر الأخير… حين يوضح الصمت كل شيء
مع مرور الوقت، بدأت الطالبات الأخريات يجدن طرقًا للعودة إلى بلدانهن، واحدة تلو الأخرى، حتى جاء الشهر الأخير، وبقيت وحدي.
كان المكان هادئًا على نحو لم أعهده من قبل، لكن ذلك الهدوء لم يكن فراغًا، بل مساحة واسعة للتفكير والتأمل.
هناك، في ذلك الصمت الطويل، بدأت أرى الأمور بوضوح مختلف. لم أعد أتعلم الأيورفيدا فقط، بل بدأت أفهم دوري فيها، والطريقة التي يمكن أن أنقل بها هذا العلم، وأجعله أقرب إلى من يبحث عنه دون أن يضطر إلى السفر آلاف الكيلومترات.
✦ فرصة لم أكن أتوقعها
لو عدت بعد ثلاثة أشهر، كما كان مخططًا، لما حدث كل هذا.
فالمدة الإضافية منحتني فرصة نادرة لاستكمال دراسة مختلف محاور الأيورفيدا واليوغا بعمق أكبر، كما أتاحت لي اجتياز الامتحانات والحصول لاحقًا على اعتماد رسمي كمستشارة ومدربة في نمط الحياة الأيورفيدي واليوغي، ضمن برامج معترف بها ومدعومة من الحكومة الهندية.
لكن الأهم من كل ذلك، كان التحول الداخلي الذي صنعته التجربة نفسها.
✦ العودة
حين استؤنفت الرحلات الجوية أخيرًا، بدأت رحلة العودة.
كانت رحلة طويلة، معقدة، ومليئة بالتفاصيل والانتظار، لكنها لم تكن مجرد عودة جغرافية إلى الوطن، بل انتقالًا داخليًا نحو مرحلة جديدة بالكامل.
✦ من التجربة إلى الرسالة
بعد العودة، بدأت الصورة تتضح أكثر.
لم تعد الأيورفيدا بالنسبة لي علمًا أدرسه أو أنقله فحسب، بل مسؤولية ورسالة.
ومن هنا، وُلدت الأكاديمية الشمولية الدولية، كأول منصة عربية مختصة في نشر الأيورفيدا واليوغا والكوتشينغ الشمولي، من خلال برامج مباشرة مع أطباء ومدربين مختصين من الهند، مع تأمين الترجمة الفورية إلى اللغة العربية، ومرافقة المتعلمين حتى يعيشوا التجربة بأقرب صورة ممكنة، وكأنهم في كيرالا نفسها، في منبع الأيورفيدا واليوغا.
✦ ما الذي يبقى؟
عندما أنظر اليوم إلى تلك الأشهر السبعة، لا أراها كفترة انتظار عابرة، بل كمرحلة أعادت تشكيل جزء كبير من رؤيتي للحياة.
ما بدا في البداية قلقًا واضطرابًا…
كان، في الحقيقة، طريقًا آخر.
طريقًا لم أختره…
لكنه، بطريقة ما، اختارني.


